شارك كثير من السوريين في تحوّل الصراع في سوريا إلى صراع على سوريا. غرف العمليات العسكرية (الموك والموم) قادها جنرالات من دول “أصدقاء” الشعب السوري، والعديد من العمليات العسكرية على امتداد نهر الفرات وفي القلمون والمدن الأربع تقرر مصيرها ونتائجها من قبل حلفاء السلطة السورية (إيران وحزب الله).. محاولة حسان عبود الاستقلال بالقرار العسكري – السياسي ولو نسبياً، تسببت باغتيال قادة حركة “أحرار الشام” وتصدّر التابعين للمخابرات العسكرية التركية (هتش والحكومة المؤقتة) المشهد في الشمال الغربي. كان التدخل الخارجي في شؤون الفصائل المسلحة الإسلامية أوضح من الشمس، والمدّ بالسلاح والمال والمقاتلين هو الذي خلق الفارق العسكري حتى مع الفصائل المعتدلة التي سُحقت تباعاً. ولكن كما يقول المثل الفرنسي qui donne ordonne (من يعطي.. يأمر)، جرى التعامل مع القضية السورية كما اعترف حمد بن جاسم باعتبارها “صيدة”. وقد شارك في إضعاف الدولة السورية والاقتصاد السوري كل من تدخّل في الشأن السوري. ولعل في تغيير موازين القوى مع الانشغال الروسي بالحرب الأوكرانية وتأجج نيران المعارك في غزة وجنوب لبنان وتصفية الخبراء الإيرانيين في دمشق ما سمح للمخابرات التركية والبريطانية والأمريكية بحسم عسكري سريع عبر “هيئة تحرير الشام”.
من الضروري استذكار البدايات لمعرفة المسارات والمآلات!
لو لم يكن من الواضح تماماً عجز مجموعة من الأمنيين والشرعيين عن بناء اقتصاد ومؤسسات دولة، لما غامرت وقامرت MI6 وMIT بتسليم دمشق لـ “هيئة تحرير الشام”. ولما قبل الإسرائيلي أصلاً بدخول أبي محمد الجولاني القصر الجمهوري. فليس “الجهاديون” وحدهم من يعتبر سوريا غنيمة!! وحديث الجولاني من اليوم الأول عن “الاقتصاد الحر” بعد دروس تلقاها بعناية، كان يعني نقل التجربة الإدلبية إلى عموم سوريا. فلا جيش وطني، ولا اقتصاد سوري مستقل ولا قرار سيادي ممكن أو محتمل.
بوصول “غرفة العمليات العسكرية” إلى دمشق تحولت قضية السيادة من مسألة وطنية إلى قضية شعائرية، الصالح فيها من يفكر بتفاصيل المذهب والدين لا بمكانة المواطن والدولة، وبفرض المناسك الوهابية عوضاً عن بناء مرتكزات دولة مستقلة القرار والإرادة. من المضحك استنفار “طاقات” المشايخ لتحريم السفور والخمور والموسيقا في وقت لا يجد الناس فيه قوت يومهم، وأن يخرج علينا الذهبي والنحاسي بحملات لطمس ما تبقى من ظهور نسائي في الحياة العامة. أما المسائل الأساسية لاستقلال البلدان، كالطاقة والإنتاج الصناعي والزراعي وصيانة ما تبقى من الثروة المائية والمنجمية، فقد جرى بيعها بالمزاد العلني.
هل تملك “هتش” ما يمكن أن يضمن للناس الحد الأدنى من احتياجات البقاء على قيد الحياة الكريمة؟
ضمن النظرة الطائفية والمذهبية الضيقة، والحرص على إرضاء من أوصل هذه الجماعة للسلطة، والإبعاد المتعمد للكفاءات والطاقات، واعتبار طول اللحية ونقاب النساء معياراً لنجاة البلاد والعباد، لا يمكن الحديث عن مشروع بناء دولة. حتى الدولتان الوهابيتان الأخيرتان في كوكبنا فهمتا هذا الموضوع، فمتى ستدرك “عصابة الأمنيين والشرعيين” الحاكمة في دمشق ذلك؟
د. هيثم مناع – مفكر وحقوقي، عضو الكتلة الوطنية السورية
عن حدس العدد ١١